يؤمن معظم البشر بحتميات لا بد من وقوعها عاجلاً أم آجلاً، تكون أحياناً حتميات تاريخية وأحياناً أخرى حتميات دينية إلهية. وعلى سبيل المثال، يؤمن الكثير من الناس أن التاريخ يُعيد نفسه، مع أنه ليس بامكان التاريخ أن يكرر نفسه، لأنه عبارة عن مسيرة مجتمعية لا تتوقف عن التحرك، تؤثر فيها عوامل كثيرة لا يمكن التحكم في أي منها. من ناحية ثانية، يؤمن المسلمون والمسيحيون بانتهاء العالم والحياة بعد حين كما تنص الكتب المقدسة، مع أن الكثير من التنبؤات بقرب انتهاء العالم والحياة قد جاءت وذهبت مرارا ولم يحدث شيء. لكن حين يؤمن إنسان بحتمية تاريخية أو دينية، فإن اهتمامه ينصب في العادة على النهاية المنتظرة وليس على الواقع، الأمر الذي يدفعه إلى توظيف كل تغير هام يقع في العالم في خدمة النهاية المنتظرة، واقناع نفسه بأن كل تطور غير عادي يحدث من حوله هو علامة تؤكدها وتُنبؤ بقرب وقوعها. إضافة إلى هذه الحتميات، هناك حتمية يدعي أصحابها بأنها علمية، مع أنه لا علاقة لها بالعلم، كما ادعى ماركس بقوله إن طبقة العمال في المجتمع الرأسمالي سوف تثور على الطبقة البرجوازية وتستولي على ملكية وسائل الإنتاج، وتعيد تشكيل المجتمع وعلاقات الإنتاج الاجتماعية بصورة تقضي على الطبقية والملكية الخاصة بصورة نهائية.

حين يؤمن إنسان بحتميات تاريخية ودينية وعلمية لا يستطيع التهرب من استحقاقات أي منها، فإن الوقت الذي يخصصه لإدارة شؤون حياته اليومية يصبح في الكثير من الحالات أقل من الوقت المخصص لإعداد نفسه لاستقبال النهاية المحتومة؛ الأمر الذي يقود البعض إلى رهن حياتهم من أجل مستقبل غير مرئي وغير مضمون. وهذا يجعل الإنسان المعني يتحول إلى شخص مسلوب الإرادة، ضعيف القدرة على التفكير المنطقي وإدارة شؤون حياته اليومية بعقلانية. ومن خلال النظر إلى كل حدث بوصفه جزءا من علامات النهاية، يقوم المؤمن هذا من دون وعي بتزييف حقائق كثيرة، واختلاق حقائق أخرى كي يقنع نفسه ومن يتحاور معهم بما يؤمن به من معتقدات تكون في حقيقة الأمر أقرب إلى الخرافة منها إلى العلم أو الحقيقة. ومن خلال تزييف الحقائق، يقوم المؤمن بتزييف وعيه والتآمر على نفسه، والعيش حياة غير منتجة ضعيفة الصلة بالواقع.

إن العيش حياة سوية يحتم على المؤمن أن ينظر إلى الحتميات باعتبارها احتمالات قد تحدث قريباً وقد لا تحدث أبداً، كما إن عليه أن يفكر مليا في نسبة الاحتمالات وتحديد ما إذا كانت كبيرة أو صغيرة. فإذا كانت النسبة كبيرة، يكون عليه الاستعداد لما يتوقعه من أحداث بجدية، وإذا النسبة ضعيفة، فإن عليه أن ينساها ويعيش حياته كأنها ليست موجودة أو ممكنة، خاصة إذا كانت التجربة الإنسانية لم تشهد لها مثيلا من قبل، أو أن العلم لا يضعها ضمن الاحتمالات المتوقعة. وعلى سبيل المثال، تنبأ كارل ماركس بانهيار الرأسمالية على يد طبقة عمال الصناعة والقضاء على المُلكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فيما جاءت التطورات في أواخر القرن الماضي لتمكن النظام الرأسمالي من الانتصار على النظام الماركسي، وتقوم بتقويض فاعلية الطبقتين العمالية والوسطى في المجتمع، وتمكين الأثرياء والأقوياء من الاستحواذ على السلطة السياسية والمال وأسباب القوة في كل دولة تقريباً. ومع أن الايمان بالقضاء والقدر هو أهم الحتميات التي يعتبرها معظم المسلمين قضية محسومة، إلا أنه لا يوجد مسلم يعرف ما قدر الله له في هذه الدنيا، وفيما إذا كان ما قُدِّر له سوف يأتي من دون تفكير وعمل، أم أنه سيكون حصيلة ما سيفعله بمحض إرادته في حياته. ودعنا ننظر إلى هذه القصة التي تتعامل مع إشكالية القضاء والقدر بشكل يفرض علينا أن نفكر فيها كثيرا.

تقول القصة أنه فيما كان صياد يبحر بقاربه الصغير في عرض البحر هبت عاصفة عاتية تسببت في تحطيم قاربه وسقوطه في البحر. لكن أحد الصيادين الناجين من العاصفة أسرع إلى نجدة زميله حين رآه على وشك الغرق. لكن حين عرض الصياد على زميله التسلق إلى قاربه، رفض الصياد الأول قائلاً إنني لا أريد مساعدة من أحد لأن إلهي وعدني بأنه سيساعدني إذا احتجت يوما ما لمساعدة. بعد ساعة تقريباً جاءته نجدة أخرى من صياد آخر رآه في حالة نزاع تقريباً، إلا أن الصياد كرر نفس العبارة: لا أريد مساعدة من أحد لأن إلهي وعدني بأنه سيساعدني إذا احتجت لمساعدة. وحين أشرف على الموت قال مخاطبا ربه: لماذا لم تساعدني يا إلهي وقد وعدتني بذلك. فرد عليه الاله قائلاً: ألم أرسل لك صيادين عرضا عليك المساعدة مرتين؟ ألا تعلم أنه لم يكن بإمكان هؤلاء أن يعثروا عليك لو لم أجعل طريقهم تمر على مكان وجودك؟

وهذا يعني أن بإمكان المؤمن بالقضاء والقدر أن ينظر إلى القدر بوصفه جزء من تفكيرنا ونشاطاتنا اليومية وإدارة شؤون حياتنا المعتادة وتعاملنا مع غيرنا من الناس. فالقدر ليس نعمة أو نقمة من الله تصل إلينا بطرق غيبية لا نفهمها وليس في مقدورنا أن نفهمها، ما يفرض علينا أن نستسلم لقدر لا نفهمه ولا يجوز لنا أن نشك فيه أو نطرح التساؤلات حوله. أما في حال الاعتقاد بأن ما قدره الله لنا لا بد وأن يأتي من خلال عملنا والقيام بإدارة شوؤن حياتنا اليومية والحصول على العلم والخبرة والإخلاص في العمل، فإن ذلك يجعل بإمكاننا التأثير في الحياة ومعطياتها، وبالتالي المشاركة الفاعلة في صنع قدرنا؛ الأمر الذي يمكننا من صنع مستقبل أفضل لنا ولأحفادنا من بعدنا، وتوفير خبرات وانجازات علمية وفكرية وفنية وثقافية واقتصادية للأجيال القادمة لا تقدر بثمن.

كل حتمية بالنسبة لمؤمن بسيط هي قدر لا يمكن تغييره أو التهرب منه بأي حال من الأحوال، لكنها احتمال بالنسبة لكل عالم وعاقل يستخدم عقله؛ وهي مجرد افتراض لا يمكن إثباته بالنسبة لكل مفكر وفيلسوف. نتيجة لذلك، يتصرف الأول كأنه عبد لقوة غيبية خارقة القوة لا يملك السيطرة عليها وليس من حقه مساءلتها عما تفعل، فيما يتصرف الثاني كأنه حر فيما يفعل مع اعترافه بوجود قوى خارجة عن إرادته تفرض عليه الاعداد للتعامل معها بعقلانية حين تتحداه، ويقود الثالث إلى التصرف كأنه سيد المكان والزمان، يصنع مستقبله بنفسه، ويدير شؤون حياته كما يشاء في ضوء ما لديه من إمكانات مادية وغير مادية، فيما يعترف باحتمال حدوث مفاجآت غير مرئية قد تفرض عليه التعامل معها بطريقة مختلفة. وهذا من شأنه أن يدفع العالم والفيلسوف إلى الايمان بوحدة المصير بالنسبة لكافة البشر، والالتزام بإنسانيته، والدفاع عن قضايا الفقراء والضعفاء والجهلة بوصفها جزءا من قضاياه الشخصية، بعيدا عن التفكير في الحتميات المتوقعة، العقلانية منها وغير العقلانية.

بروفسور محمد ربيع

www.yazour.com

يؤمن معظم البشر بحتميات لا بد من وقوعها عاجلاً أم آجلاً، تكون أحياناً حتميات تاريخية وأحياناً أخرى حتميات دينية إلهية. وعلى سبيل المثال، يؤمن الكثير من الناس أن التاريخ يُعيد نفسه، مع أنه ليس بامكان التاريخ أن يكرر نفسه، لأنه عبارة عن مسيرة مجتمعية لا تتوقف عن التحرك، تؤثر فيها عوامل كثيرة لا يمكن التحكم في أي منها. من ناحية ثانية، يؤمن المسلمون والمسيحيون بانتهاء العالم والحياة بعد حين كما تنص الكتب المقدسة، مع أن الكثير من التنبؤات بقرب انتهاء العالم والحياة قد جاءت وذهبت مرارا ولم يحدث شيء. لكن حين يؤمن إنسان بحتمية تاريخية أو دينية، فإن اهتمامه ينصب في العادة على النهاية المنتظرة وليس على الواقع، الأمر الذي يدفعه إلى توظيف كل تغير هام يقع في العالم في خدمة النهاية المنتظرة، واقناع نفسه بأن كل تطور غير عادي يحدث من حوله هو علامة تؤكدها وتُنبؤ بقرب وقوعها. إضافة إلى هذه الحتميات، هناك حتمية يدعي أصحابها بأنها علمية، مع أنه لا علاقة لها بالعلم، كما ادعى ماركس بقوله إن طبقة العمال في المجتمع الرأسمالي سوف تثور على الطبقة البرجوازية وتستولي على ملكية وسائل الإنتاج، وتعيد تشكيل المجتمع وعلاقات الإنتاج الاجتماعية بصورة تقضي على الطبقية والملكية الخاصة بصورة نهائية.

حين يؤمن إنسان بحتميات تاريخية ودينية وعلمية لا يستطيع التهرب من استحقاقات أي منها، فإن الوقت الذي يخصصه لإدارة شؤون حياته اليومية يصبح في الكثير من الحالات أقل من الوقت المخصص لإعداد نفسه لاستقبال النهاية المحتومة؛ الأمر الذي يقود البعض إلى رهن حياتهم من أجل مستقبل غير مرئي وغير مضمون. وهذا يجعل الإنسان المعني يتحول إلى شخص مسلوب الإرادة، ضعيف القدرة على التفكير المنطقي وإدارة شؤون حياته اليومية بعقلانية. ومن خلال النظر إلى كل حدث بوصفه جزءا من علامات النهاية، يقوم المؤمن هذا من دون وعي بتزييف حقائق كثيرة، واختلاق حقائق أخرى كي يقنع نفسه ومن يتحاور معهم بما يؤمن به من معتقدات تكون في حقيقة الأمر أقرب إلى الخرافة منها إلى العلم أو الحقيقة. ومن خلال تزييف الحقائق، يقوم المؤمن بتزييف وعيه والتآمر على نفسه، والعيش حياة غير منتجة ضعيفة الصلة بالواقع.

إن العيش حياة سوية يحتم على المؤمن أن ينظر إلى الحتميات باعتبارها احتمالات قد تحدث قريباً وقد لا تحدث أبداً، كما إن عليه أن يفكر مليا في نسبة الاحتمالات وتحديد ما إذا كانت كبيرة أو صغيرة. فإذا كانت النسبة كبيرة، يكون عليه الاستعداد لما يتوقعه من أحداث بجدية، وإذا النسبة ضعيفة، فإن عليه أن ينساها ويعيش حياته كأنها ليست موجودة أو ممكنة، خاصة إذا كانت التجربة الإنسانية لم تشهد لها مثيلا من قبل، أو أن العلم لا يضعها ضمن الاحتمالات المتوقعة. وعلى سبيل المثال، تنبأ كارل ماركس بانهيار الرأسمالية على يد طبقة عمال الصناعة والقضاء على المُلكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فيما جاءت التطورات في أواخر القرن الماضي لتمكن النظام الرأسمالي من الانتصار على النظام الماركسي، وتقوم بتقويض فاعلية الطبقتين العمالية والوسطى في المجتمع، وتمكين الأثرياء والأقوياء من الاستحواذ على السلطة السياسية والمال وأسباب القوة في كل دولة تقريباً. ومع أن الايمان بالقضاء والقدر هو أهم الحتميات التي يعتبرها معظم المسلمين قضية محسومة، إلا أنه لا يوجد مسلم يعرف ما قدر الله له في هذه الدنيا، وفيما إذا كان ما قُدِّر له سوف يأتي من دون تفكير وعمل، أم أنه سيكون حصيلة ما سيفعله بمحض إرادته في حياته. ودعنا ننظر إلى هذه القصة التي تتعامل مع إشكالية القضاء والقدر بشكل يفرض علينا أن نفكر فيها كثيرا.

تقول القصة أنه فيما كان صياد يبحر بقاربه الصغير في عرض البحر هبت عاصفة عاتية تسببت في تحطيم قاربه وسقوطه في البحر. لكن أحد الصيادين الناجين من العاصفة أسرع إلى نجدة زميله حين رآه على وشك الغرق. لكن حين عرض الصياد على زميله التسلق إلى قاربه، رفض الصياد الأول قائلاً إنني لا أريد مساعدة من أحد لأن إلهي وعدني بأنه سيساعدني إذا احتجت يوما ما لمساعدة. بعد ساعة تقريباً جاءته نجدة أخرى من صياد آخر رآه في حالة نزاع تقريباً، إلا أن الصياد كرر نفس العبارة: لا أريد مساعدة من أحد لأن إلهي وعدني بأنه سيساعدني إذا احتجت لمساعدة. وحين أشرف على الموت قال مخاطبا ربه: لماذا لم تساعدني يا إلهي وقد وعدتني بذلك. فرد عليه الاله قائلاً: ألم أرسل لك صيادين عرضا عليك المساعدة مرتين؟ ألا تعلم أنه لم يكن بإمكان هؤلاء أن يعثروا عليك لو لم أجعل طريقهم تمر على مكان وجودك؟

وهذا يعني أن بإمكان المؤمن بالقضاء والقدر أن ينظر إلى القدر بوصفه جزء من تفكيرنا ونشاطاتنا اليومية وإدارة شؤون حياتنا المعتادة وتعاملنا مع غيرنا من الناس. فالقدر ليس نعمة أو نقمة من الله تصل إلينا بطرق غيبية لا نفهمها وليس في مقدورنا أن نفهمها، ما يفرض علينا أن نستسلم لقدر لا نفهمه ولا يجوز لنا أن نشك فيه أو نطرح التساؤلات حوله. أما في حال الاعتقاد بأن ما قدره الله لنا لا بد وأن يأتي من خلال عملنا والقيام بإدارة شوؤن حياتنا اليومية والحصول على العلم والخبرة والإخلاص في العمل، فإن ذلك يجعل بإمكاننا التأثير في الحياة ومعطياتها، وبالتالي المشاركة الفاعلة في صنع قدرنا؛ الأمر الذي يمكننا من صنع مستقبل أفضل لنا ولأحفادنا من بعدنا، وتوفير خبرات وانجازات علمية وفكرية وفنية وثقافية واقتصادية للأجيال القادمة لا تقدر بثمن.

كل حتمية بالنسبة لمؤمن بسيط هي قدر لا يمكن تغييره أو التهرب منه بأي حال من الأحوال، لكنها احتمال بالنسبة لكل عالم وعاقل يستخدم عقله؛ وهي مجرد افتراض لا يمكن إثباته بالنسبة لكل مفكر وفيلسوف. نتيجة لذلك، يتصرف الأول كأنه عبد لقوة غيبية خارقة القوة لا يملك السيطرة عليها وليس من حقه مساءلتها عما تفعل، فيما يتصرف الثاني كأنه حر فيما يفعل مع اعترافه بوجود قوى خارجة عن إرادته تفرض عليه الاعداد للتعامل معها بعقلانية حين تتحداه، ويقود الثالث إلى التصرف كأنه سيد المكان والزمان، يصنع مستقبله بنفسه، ويدير شؤون حياته كما يشاء في ضوء ما لديه من إمكانات مادية وغير مادية، فيما يعترف باحتمال حدوث مفاجآت غير مرئية قد تفرض عليه التعامل معها بطريقة مختلفة. وهذا من شأنه أن يدفع العالم والفيلسوف إلى الايمان بوحدة المصير بالنسبة لكافة البشر، والالتزام بإنسانيته، والدفاع عن قضايا الفقراء والضعفاء والجهلة بوصفها جزءا من قضاياه الشخصية، بعيدا عن التفكير في الحتميات المتوقعة، العقلانية منها وغير العقلانية.

بروفسور محمد ربيع

www.yazour.com